الخميس، 24 أبريل، 2014

المضادات الحيوية (سلاحنا الأخير)




تخيل أن مجرم خبيث، دخل بيتك متخفياً في جنح الظلام! ليس مهتماً بأموالك او مقتنياتك، بل هو قادم لسبب واحد فقط! كل ما يريده هو.. إزهاق روحك!.. و عن سبق إصرار و ترصد!

لكن صوت حركته نبهك لوجوده و أيقظك من النوم.. إستوعبت خطورة الموقف!.. إشتبكت معه في عراك مصيري! و بعد قتال مضني، تمكنت منه! خنقته.. ثم إستمريت في الخنق.. و إستمريت.. حتى فقد الوعي و توقف تماماً عن الحركة!
عندها تركته و ذهبت إلى الغرفة المجاورة لتتناول هاتفك و تتصل بالشرطة.
لكن عندما عدت إلى الغرفة التي كان يستلقي فيها ذلك الوغد، كان مكانه على الأرض خالي!! و قبل أن تستوعب ما حدث، باغتك الخسيس بضربة على مؤخرة رأسك أفقدتك الوعي!

الآن، بالطبع لن يمنعه شيء من إكمال ما أتى لأجله.
موتك الآن حتمي. إلا في حال وصول الشرطة قبل فوات الأوان! و هذا إحتمال قد يكون أو لا يكون!

هذا تبسيط يحاكي معركتك مع البكتيريا عندما تستخدم مضاد حيوي دون أن تكمل مدة العلاج إلى آخرها!

تابع القراءة حتى أشرح لك بشكل أفضل..





هناك أنواع كثيرة من البكتيريا، بعضها نافع لجسم الإنسان، و بعضها ضار. و النافعة مهمة جداً لتحقيق التوازن المناعي في جسم الإنسان. فهي تتغذى على الفطريات الضارة التي قد تسبب الأمراض لو تكاثرت! هذه البكتيريا النافعة تكون نافعة فقط إذا بقيت في بيئتها، أما إذا انتقلت إلى بيئة جديدة، فإنها قد تصبح ضارة أحياناً.
على سبيل المثال، بعض أنواع البكتيريا تعيش بسلام في القولون، لكن اذا وجدت طريقها إلى المسالك البولية، فإنها تسبب الإلتهابات!

عندها لابد من تناول مضاد حيوي يقتل هذه البكتيريا في المسالك البولية للقضاء على الإلتهاب. لكن هذا المضاد "أعمى" و لا يفرق بين البكتيريا الضارة و النافعة! لذا سيقوم أيضاً بمهاجمة نفس نوع البكتيريا في القولون! ليس ذلك فحسب، بل سيقوم أيضاً بمهاجمة أنواع أخرى من البكتيريا المفيدة في أجهزة الجسم الأخرى!
هذا يشبه إلى حد ما الحرب باستخدام أسلحة الدمار الشامل، التي لا تفرق بين جندي معادي و إنسان مدني بريء! :-(


لكن لا بأس! لأن بيئة القولون ستحمي بكتيريتها النافعة، و لن تسمح بإبادتها بالكامل! و ما يتبقى منها سيستمر في التكاثر حتى تصل الى معدلاتها الطبيعية في القولون.
لكن لن تعود البكتيريا كما كانت! بل ستحاول أن تطور من نفسها لتصبح أكثر صلابة في مواجهاتها القادمة مع نفس المضاد الحيوي.

مثلاً، بعض أنواع المضادات الحيوية تهاجم الجدار الخارجي المغلف للبكتيريا، و تنزعه عنها، فلا يصبح لدى البكتيريا غطاء يحميها من العوامل الخارجية المحيطة بها! و بالتالي تموت.

لكن البكتيريا قبل أن تموت تحاول أن تسجل في مذكراتها (جيناتها) كيف إستطاع المضاد الحيوي أن يقتلها!
بمعنى أدق، تحاول تسجيل الطريقة (أو نقطة الضعف) التي إستغلها المضاد و مكنته من مهاجمة جدارها الخارجي!
و بعد موتها، تأتي بكتيريا ناجية (لم يصلها تأثير المضاد الحيوي بعد) و تجمع هذه البيانات باستحواذها على جينات البكتيريا الميتة (دفتر مذكراتها). ثم تطور نفسها بحيث تغطي "نقطة الضعف" التي أدت إلى موت صديقتها!

و هنا تكمن الخطورة!



لأن هذا يعني، أن هذه البكتيريا "الناجية" عندما تتكاثر، سينشأ منها جيل جديد من البكتيريا، إستطاع بالمعلومات التي استحوذ عليها أن يغطي نقطة الضعف تلك التي كان يستغلها المضاد الحيوي!!
و بالتالي المضاد السابق لم يعد ذو فائدة!
هنا يبقى أملنا الوحيد في إستخدام مضاد حيوي أقوى (يملك القدرة على مهاجمة البكتيريا من نقطة ضعف جديدة) تماماً كالأمل في وصول الشرطة بعد إستعادة المجرم قواه القتالية!
و ضريبة إستخدام هذا المضاد الأقوى، أن عدداً أكبر من البكتيريا النافعة سيموت :-(

و لو تكرر نفس السيناريو مع المضاد الجديد، فإننا قريباً لن نجد نقاط ضعف نستطيع إستغلالها في حربنا على البكتيريا، و لربما عدنا إلى حقبة ما قبل اكتشاف المضادات الحيوية، عندما كانت أضعف أنواع البكتيريا تقتل ملايين البشر!




ما الحل؟
الحل في يدك.. أنت و أنا و كل فرد على وجه الأرض يتحمل جزء من المسؤولية في حربنا ضد البكتيريا.. يجب علينا كلنا أن نتكاتف و نوحد قوانين نطبقها جميعاً بمسؤولية تجاه الإنسانية ككل و تجاه النفس و الأهل كذلك.
هذه القوانين ليست صعبة و لن تأخذ منك مجهود في تطبيقها!
هناك أمران اذا جعلهما كل إنسان جزء من مسؤولياته، فإننا لن نعطي البكتيريا هذه الفرصة في تطوير نفسها..

١- لا تأخذ مضاد حيوي (أو أي دواء) بدون إستشارة طبية. ليس لأن ذلك سيقتل البكتيريا النافعة فحسب! بل لأنه سيساهم في إنشاء جيل جديد من البكتيريا النافعة (في بيئتها) يكون قادر على مقاومة ذلك المضاد (إذا ما سولت لها نفسها أن تنتقل إلى مكان آخر لتسبب المتاعب!)
٢- إذا تم وصف مضاد حيوي لك، فأرجوك أن لا توقفه بمجرد أن تزول الأعراض.
توقفك عن أخذ المضاد يلفت عدونا (البكتيريا) إلى نقاط ضعفه!
زوال الأعراض يعني أن المضاد الحيوي يعمل، و أنه يقتل أعداد كبيرة من البكتيريا! لكن بعضها لا يزال يعمل بجد في جمع المعلومات عن سلاحنا ليتغلب عليه! لذا لا بد من إكمال مدة العلاج حتى آخر يوم، لكي لا نعطي هذه البكتيريا الناجية الفرصة للإستفادة من هذه المعلومات التي تجمعها، و ننجز عليها قبل أن تتمكن من إستخدامها لتطوير نفسها. 



لا تكن ذلك الذي يخوننا مع الأعداء أثناء الحرب و يسلمهم المعلومات السرية عن أسلحتنا و عن ثغورهم!
أكمل فترة العلاج المقررة حتى تنهيها. أنجز على ذلك الوغد الخبيث.. إستمر في خنقه حتى تبرد أطرافه!

هناك تعليقان (2):

  1. موضوع رائع مشكور دكتور ومدونه رائعه وقيمه جدا بكل المعلومات التي تحتويها

    ردحذف
    الردود
    1. أشكرك، و أسأل الله أن يجعلني عند حسن الظن

      حذف