الثلاثاء، 22 أبريل 2014

هكذا فهمت الله

في مقال سابق بعنوان "بابا كيف ماما صارت حامل" تحدثت عن أول سؤال وجودي يطرحه الإنسان، و كما أشرت أنه ليس إلا البداية لكم كبير من التساؤلات الوجودية الأخرى التي تتدرج حتى تصل إلى محاولة فهم وجود الله سبحانه و تعالى. و ليس منا من لم يقوده عقله لتساؤلات عن الأبدية و الموت و باقي الأمور الغيبية.

عندما ترد في عقلك هذه التساؤلات، أنت أمام خيارين. إما أن تُـعنِّـف نفسك على جرأتها في طرح أسئلة كهذه. فتحاول تشتيت إنتباه نفسك! (تماماً كالأباء الذين يخرسون أطفالهم عند طرح سؤال وجودي!).
أو أن تحاول أن تتفكر و تتدبر و تبحث عن إجابة شافية لفضولك المعرفي، الذي جبلك عليه خالقك في الأساس! (غريزة حب المعرفة).

إن إخترت الخيار الأول، فمن الصعب جداً أن تسمي نفسك مؤمناً بالله! فالإيمان ليس إلا تصديق بالقلب، و إغلاق الباب أمام تساؤلات القلب حتماً سيترك مع قلبك الشك خلف الباب!... و قد يتفاقم الأمر حتى تصل إلى الإلحاد، سواءً كان إلحاداً معلناً، أو مستتر بغطاء النفاق. فكم من الناس حولنا من يُـظهر الإيمان و الشكوك تعتصر قلبه!

فما الحل؟؟ لماذا مُـنِـعنا من التساؤل؟؟! هل هذا المنع بأمر من الله سبحانه و تعالى؟! هل يغضب الله منا إذا تساءلنا؟!





كلمات مثل ”يعقلون“... "يتفكرون"... ”يتدبرون“... ”أولي الألباب“ و غيرها.. ترددت كثيراً في القرآن الكريم، و هذا يثبت أن الله سبحانه و تعالى يريد منا التعمق في التفكير. و هو بذلك يوضح لنا أنه لا يغضب من مجرد التساؤل؛ لأن التعمق في التفكير يعني ورود تلك التساؤلات في خواطرنا شئنا أم أبينا. هكذا عقولنا تعمل.. و خالقها أعلم بها بكل تأكيد.

أضف إلى ذلك الآيات التي تطلب منك أن تتجرد مما وجدت عليه الآباء و الأجداد، و أن تفكر أنت لنفسك، و ترفض ما تراه باطلاً حتى و إن كنت تربيت عليه و تشربته منذ الطفولة. و في هذا دليل آخر على أن الله يريد منا إعمال عقولنا، فلكلٍ منا إسلوب و نمط مستقل في التفكير لا يشابه أساليب الآخرين و يختلف عنها كأختلاف بصمة الأصبع! حتى و إن توافقت الأفكار أحياناً، فإن إسلوب الوصول إلى تلك الأفكار يختلف لاختلاف الخبرات و التجارب.

لكن هذه ليست الأدلة الوحيدة على تشجيع الله لنا على التفكير..

أكبر معضلة تعوق التفكير و الابداع هي الخوف من الوقوع في الخطأ. و هنا يظهر تميز الاسلام عن باقي المنظومات (سواءً الأديان أو غيرها!).
لأنه المنظومة الوحيدة التي تنص على أن للمجتهد (المفكر) المخطيء أجر، و للمصيب أجران. و هو بذلك يقضي على الخوف من الوقوع في الخطأ!

قد يكون هناك أنظمة لا تعاقب المفكر المخطيء.. لكن لن تجد نظاماً يكافؤه! فعلى سبيل المثال.. إذا قمت ببحث علمي و قادك إلى نتيجة خاطئة، فلن يعاقبك أحد طبعاً.. لكن لن تجد من يشتري منك النتائج أو يكافئك عليها!
لذا فإن الخوف من الوقوع في الخطأ يكون مصاحب للباحث حتى في أكثر البيئات تسامحاً مع الخطأ. لأن من الممكن جداً أن يذهب مجهوده و وقته سدى لو لم يكن مصيب في الفكرة او النتيجة.. لكن لو أصاب، تبدأ الجوائز و عروض شراء الفكرة تنهال عليه من كل جانب!

و هذا يختلف تماماً مع الإسلام.. فهو يستبق خوفك من الوقوع في الخطأ بطمأنتك أنك حتى لو أخطأت فأنت تستحق المكافأة بـ ٥٠٪ من جائزة المصيب، لا لشيء سوى أنك أعملت عقلك! فأنت في الحالتين رابح!.. فقط فكر.

تشجيع الابداع بالتسامح مع المخطيء يعتبر مستوى أقل بكثير من مكافأة المخطيء!
فالأول صحيح أنه لا يقتل الإبداع، و لكنه سيبطئه! أما الثاني فإنه يطلق له العنان و يفتح له الباب على مصراعيه! فما الذي تخشاه؟؟ انت حتى إن أخطأت ستكافأ بـ ٥٠٪ على الأقل!!!

هذا يدل على أن الله يريدنا أن نُـعمل عقولنا و نتفكر و نتدبر، فإن أصبنا، فذلك المراد. و إن أخطأنا فالله لم يتكفل بحمايتنا من العقاب فحسب، بل إنه وعدنا أن يكافئنا على مجرد إستخدامنا للأداة التي وهبنا أياها (العقل) و إن كنا قد أخطأنا!!!

و تظهر هذه الرغبة الإلهية واضحة في قصة خلق آدم.
فالملائكة الذين هم (حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ) لم يشعروا بأي حرج في طرح السؤال (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) و لو علموا عن الله غضبه من طرح التساؤلات، لما تجرؤوا على طرحه!
بل إن رد الله عليهم لم يكن يحمل أي توبيخ! على العكس تماماً.. أطلعهم بوضوح (و بطريقة عملية!) على ما صَـعُب عليهم فهمه عندما بين لهم السبب وراء خلق آدم. و بين لهم ذلك بتوضيح ما يميز آدم عنهم (القدرة على إستيعاب العلم)، تلك الميزة التي كانت سبب كافي لسجودهم له!

و هذا يشابه إقناع طفل بفكرة لا يستطيع فهمها..
فمثلاً لو طلب منك طفلك قطعة شوكولاته قبل النوم، فإن رفضك بمجرد كلمة ”لا“ سيشعره بسلبك لحريته دون مبرر! و سيترك لديه شعور بأنك لا تريد له الاستمتاع بما يحب!
لكن لو بررت رفضك بالحجة فقلت مثلاً... لكن الشوكولاته قبل النوم ستسبب لك التسوس و تصبح أسنانك تؤلمك. فإن تواصلك معه في حد ذاته و إحساسه بأنك تبذل الجهد الإضافي في التبرير سيشعره بقربك منه و محبتك له.

صحيح انه في الحالتين سيرضخ لرفضك.. لكن الفرق كبير جداً في أثر الطريقتين على مشاعره.

و هذا ما فعله الله سبحانه و تعالى عندما وضح للملائكة سبب خلق آدم! لم يكن ملزماً بذلك التوضيح سبحانه.. و لو لم يوضح، لما طالبته الملائكة بالتوضيح! فهو (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَل) و مع هذا بسبب رحمته الواسعة آثر أن يوضح ذلك لهم!

قارن ذلك ببعض الآباء الذين يوبخون أبناءهم على مجرد التساؤل! و تأمل كيف أن رحمة الله بمخلوقاته أوسع من رحمة الآباء بالأبناء.

ثم إنظر أيضاً إلى قصة طلب موسى لرؤية الله. و لاحظ كيفية رفض الله لطلب موسى عليه السلام، التي بالفعل تُظهر أعلى مراتب المحبة و العطف... كيف؟

عندما يطلب منك شخص طلب فإما أن توافق، و إما أن ترفض. و إذا رفضت، فأنت أمام ثلاثة خيارات...

الخيار الأول
ان تقول ببساطة... لا.
و هذا الخيار نستخدمه عادة مع الأغراب، الذين لا نعبأ بمشاعرهم! و لا يشكلون أي جزء من حياتنا!
كالمتسول الذي يقف عند الاشارة يطرق زجاج سيارتك، ينتظر عطفك بفتح الزجاج و مد بعض النقود له. اذا كنت لا تريد أن تعطيه.. فإنك ربما ستكتفي بإشارة بيدك.. ولا يهمك ما إذا كانت هذه الاشارة ستجرح مشاعره! فهو غير مهم بالنسبة لك! و على الأرجح، لن تراه بعد فتح الاشارة، إلا إذا عدت من نفس الطريق! و حتى في هذه الحالة فأنت ببساطة.. لا تهتم!.


الخيار الثاني
تخلق عذر، لتقول "لا" دون أن تجرح مشاعره.. او ربما لتتجنب الاحراج!
نستخدم عادة هذا الخيار مع من لهم مكان في حياتنا اليومية، لكننا في الحقيقة لا نكترث لهم!
مثل ذلك الجار الذي لا تتعدى علاقتك معه مبادلته التحية كل صباح.
إذا طلب منك شيء لا تريد القيام به.. (لنقل أنه طلب مبلغ من المال فقط لنتماشى مع المثال الأول) فإنك ربما ستتحجج بأنك لا تمتلك المبلغ مثلاً! و لن تستخدم نفس أسلوبك مع المتسول لأنك لا تريد جرح مشاعره و من ثم الاضطرار للتعامل مع الأجواء المشحونة عندما تقابله كل صباح!

الخيار الثالث
لا نستخدمه إلا مع أقرب و أحب الناس إلى قلوبنا! نستخدمه مع من يهمنا أن يعرفوا أن سبب الرفض فعلاً حقيقي!
إذا طلب منك أحد إخوتك أو أقرب أصدقاءك مبلغ من المال، و كنت لا تمتلك المبلغ.. فستحاول أن تثبت له (بالقول أو بالفعل!) أنك لا ترفض لأنك لا تريد! و لكن لأنك فعلاً لا تمتلك المبلغ!
و أعظم صور هذا النوع، هو الاثبات العملي! اذا كنت تعتبر هذا الإنسان قطعة منك و من روحك.. فلربما تصل إلى حد إطلاعه على أي شيء يثبت أن عدم قدرتك على تنفيذ طلبه فعلاً حقيقية!!! فقط لتتأكد من عدم جرح مشاعره برفضك، لأن مشاعره تهمك.
في الحقيقة لو إخترت الاثبات العملي، فأنت تبالغ في إظهار إهتمامك بمشاعر الشخص الذي ترفض طلبه! و تحاول بكل جهدك ان تتأكد أنك لم تجرح مشاعره! مع أنك غير ملزم أبداً بفعل ذلك! و غالباً هو لم يكن ينتظر منك إثبات عملي بهذا الشكل! بل إن هناك من الناس من سيعيش و يموت و لن يفعل ذلك لأحد في حياته يوماً!!

الآن..
لو عدتم إلى قصة رفض الله لطلب موسى عليه السلام، للاحظتم أن الله سبحانه و تعالى إختار الطريقة الثالثة!!! هو بالفعل جعل موسى يرى بالطريقة العملية كيف أنه يرفض رحمةً به.. و ليس لأنه لا يريد!!! مع أنه (طبعاً) غير ملزم بذلك سبحانه! و لو قال لموسى عليه السلام مجرد كلمة "لا" لقبلها موسى دون جدال! فلماذا اختار الله هذه الطريقة العملية؟!
طبعاً لأنه يحب موسى أكثر من حبك لأولادك.

و تذكر أيضاً قصة إبراهيم عليه السلام عندما طلب من الله أن يريه كيف يحيي الموتى. هنا أيضاً لم يوبخه الله، بل إستخدم الطريقة العملية كذلك!

سرد هذه القصص (و غيرها) في القرآن الكريم يثبت أن الله يريدنا أن نفهم أنه لا يغضب من مجرد التساؤل.
و لو أنه وبخ المتسائلين في تلك القصص.. أو حتى أعطاهم إجابة مختصرة مثل كلمة ”لا“ فإن هذا سيمنعهم من العودة للسؤال مرة أخرى! لكن إسهابه في الإجابة بطريقة عملية، يعني التشجيع على طرح تساؤل جديد.

هذا يعني أننا يجب أن لا نخشى من التساؤل و التفكير و تفنيد كل ما يُقدم لنا. و لو نظرنا إلى قصص الصحابة (خصوصاً من أسلم من قبل الفتح) لوجدنا أن جميعهم يشتركون في صفة واحدة، و هي قدرتهم على نقد الموروث و رفضه اذا كان خاطيء.

بل في الحقيقة أن هذا كان هو الفرق الوحيد بين كفار قريش و الصحابة رضوان الله عليهم.
كلاهما رأى الحق واضح. لكن أحدهم تمسك بالموروث على الرغم من وضوح بطلانه بالنسبة له، و الآخر تركه بكل ما فيه و تبنى الحق عندما رأه.

قد تتساءل الآن و تقول لنفسك...
ماذا إذا إنتقدت الموروث و أوصلني تفكيري لنتيجة خاطئة ثم إعتمدتها في حياتي ظناً مني أنها صحيحة؟! ألا أدخل هنا في فئة "الأخسرين أعمالا" (الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا)؟!

هنا لابد أن ألفت إنتباهك إلى أن المفكر المخطيء لا يأخذ نصف أجر المصيب إلا في حالة الاجتهاد.
و من شروط الاجتهاد أن تمضي وقت طويل تتأمل في المسألة و تبحث فيها من كل الجوانب عن ثغرة  تجعلك ترفضها، ثم لا تتسرع في طرحها او تبنيها حتى تشعر فعلاً أنها أصبحت كالحائط الاسمنتي (بالنسبة لك)!

كما أن من شروطه أيضاً الاخلاص في البحث عن الحقيقة.. الحقيقة فقط.. دون السعي وراء الانتصار للذات أو للموروث. و هذا يعني أن لا تستكبر عن الحق إذا ما بين لك أحدهم نقاط ضعف فكرتك.. لأننا نحن البشر، مهما بلغ ذكاؤنا، فإن عقولنا محدودة. هذه المحدودية هي التي تجعلنا أحياناً لا ننتبه لتوافه الأمور، و هي السبب في أننا نبدع أكثر في بيئة العمل الجماعي، لأن العقل الواحد (المحدود) تتوسع حدوده كلما أضفنا بجانبه عقل آخر يسانده (إثنان يفكران أفضل من واحد.. و ثلاثة أفضل من إثنين... و هكذا..).
و هذا هو بالضبط المبدأ الذي تقوم عليه طريقة العصف الذهني (Brainstorming).

محدودية عقل الإنسان تأتي بسبب بقعة عمياء (Blind Spot) في التفكير. تلك البقعة هي المسؤولة عن وجود سلبيات في أفكارنا أحياناً.
و تتوسع حدود تفكير الأفراد في بيئة التفكير الجماعي (تتوسع فقط، و لا تزول!)؛ لأن الآخرين يمتلكون حظ أوفر في كشف تلك البقعة العمياء لصاحب الفكرة الذي لا يستطيع هو رؤيتها بنفسه.
و هذا أيضاً احد شروط الاجتهاد من وجهة نظري.. لابد من عرض الفكرة على الغير و مناقشتها و تلقي الانتقادات عليها بصدر رحب.
في أثناء المناقشة.. كلما إستطاع صاحب الفكرة الرد على المخالفين، كلما زادت صلابة ذلك الحائط الإسمنتي. و أحياناً قد تزيد هشاشته.. بل و قد ينهار تماماً خلال النقاش. و هنا يجب رفض الفكرة حتى من صاحبها.

في الحقيقة، أن هذا بالضبط ما يحدث في مناقشة الأبحاث العلمية في المؤتمرات و الجامعات (كأبحاث الدكتوراه على سبيل المثال). و إذا أظهر النقاش ثغرات أو أخطاء في الفكرة.. لن يأخذ الباحث ”نصف دكتوراه“ بكل تأكيد!
هل سمعت عن جامعة في العالم تنص قوانينها على أن الخطأ في رسالتي دكتوراه يساوي رسالة دكتوراه صحيحة؟!

حق الاجتهاد و التفكير ليس حكراً على أحد. فلا تسمح لأحد أن يوهمك بأن عقلك ليس أهلاً للاجتهاد!
لأننا حتى لو إفترضنا أن عقل أحدهم ليس أهلاً له.. فهذا يعني إرتفاع القلم عنه بسبب الجنون. أما عدا ذلك.. فإن الآيات التي تدعو إلى التعقل و التفكر كانت في إطار خطاب عام لكل الناس، برهم و فاجرهم، على إختلاف مستويات الذكاء و العلم بينهم.
زد على ذلك أن معجزة القرآن الكريم هي أنه صالح لكل زمان و مكان، و هذه الصلاحية لا تأتي إلا بفتح باب التدبر للجميع. فكل فرد في بيئة معينة و موقف معين، سيجد في القرآن ما يشعر أنه خطاب مباشر يتماشى مع وضعه، و لن يكون هذا الاستنباط إلا مع التدبر و التفكر فيما تقرأ و الاجتهاد في فهم النص و إسقاطه على واقعك.

و مما يؤكد كل ما سبق هو أن الشريعة جعلت حفظ العقل ضرورة من الضروريات الخمس التي تستحق أن تقاتل من يحاول سلبها منك!.. و من مات دفاعاً عنها كان شهيد! (الضروريات الخمس هي الدين و النفس و المال و العرض و العقل).

سألت أحدهم يوماً فقلت.. أفهم كيف أدافع عن ديني و عن نفسي و عن مالي و عن عرضي.. لكن هلا شرحت لي كيف أدافع عن عقلي؟
فرد بأنه لو حاول أحد إجبارك على شرب الخمر .. يحق لك قتاله!

لا أريد تسخيف رأيه.. لذا سأتماشى معه و أقول.. حسنا إذن.. هذا إذا أراد تخدير عقلي بالخمر أو بآي مخدر آخر.. لكن ماذا لو أراد تخدير عقلي بطرق أخرى! كإيهامي بأن كل ما يخرج من فمه (من آراءه الشخصية) مقدس يأتي من الشريعة و الدين و لا يقبل الجدال؟.. ماذا إذا فرض علي فهمه القاصر للنصوص و أجبرني على هذا الفهم الأعوج في كل صغائر و كبائر أموري اليومية؟!.. ماذا لو أحاط نفسه بهالة من القداسة التي لا تحق له، و أصبح أي إنتقاد له يؤخذ على أنه انتقاد لذات الله سبحانه و تعالى، يستوجب حد الردة؟!

إن حفظ العقل المقصود، هو حفظ حريته في التدبر و التفكير، و حماية إستقلاليته من التبعية.
تماماً كما طلب الله من كفار قريش أن لا يتبعوا ما وجدوا عليه آباءهم إتباعاً أعمى، و أن يكونوا من أولي الألباب الذين يعقلون و يتفكرون و يتدبرون. حتى و إن كان ذلك سباحة ضد التيار، كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم عندما قادتهم عقولهم إلى الحق و لم يستكبروا عنه و اعتنقوه دون أن يخشوا الصدام مع المجتمع.

في هذه الحالة.. و في هذه الحالة فقط.. أستطيع أن أفهم، كيف يرقى الموت في سبيل حفظ العقل، إلى مستوى الشهادة في سبيل الله.




هذا الموضوع ليس إلا مقدمة مهمة لموضوع قادم بعنوان ”خرافة السحر“ و الذي سيكون محاولة لفهم السحر في إطار عقلاني و ديني و طبي.
و أنا أرجوكم أن تناقشوني فيه عندما أنشره.. لا تقرأ الموضوع و ترى فيه خلل ثم تتركني بأخطائي.. لا تجعلوني (من الأخسرين أعمالا).. بينوا لي البقع العمياء في الفكرة، فأنا لا أزعم أن بيدي الحقيقة المطلقة، و لن أدير ظهري للحق إذا رأيته.
و ما ستقرأون هو أفكاري الشخصية.. بمعنى أنها تحتمل الصواب و الخطأ.. كما أنها قابلة للنقاش معي مباشرة لأنها آرائي انا، و ليست نسخ و لصق من آراء غيري.. قد يكون سبقني إليها أحد، لكني أؤكد لكم، أنه توارد خواطر و ليس نقل.

قمت باختيار الأمثلة التي تدعم هذا الرأي من أحداث أغلبها معاصرة، أقدمها حدث قبل ١٠ سنوات. و كالعادة سأذكر التواريخ و الأسماء بالأحرف اللاتينية حتى يسهل تتبعها و البحث عنها للتأكد من مصداقية ما أقول.

رؤيتي لموضوع السحر واقعية و علمية و منطقية جداً. و هي بعيدة كل البعد عن تأثير الجن و الشياطين.
و ما يشجعني على طرحها أني (حتى الآن) لم أطرحها على أحد إلا و اقتنع بها. و من لم يقتنع (بسبب تعلقه بالموروث)، سكت عني سكوت المتحفظ الذي ليس لديه حجة للرد (كالممتنعون عن التصويت!).
لذا فأنا أطرحها هنا عليكم لأستعين بعقولكم النيرة في البحث عن تلك البقعة العمياء.. فأعينوني.

هناك تعليقان (2):

  1. كلامك رائع ومنطقي وليت قومي يعلمون. المشكلة أن بعض "طلبة العلم" الذين نصبوا أنفسهم ولاة على ديننا ورسموا الهالات القدسية حولهم يتحججوا بالآية الكريمة "فأسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون" والتي نزلت في مشركي مكة وحتى وإن تم تفسيرها بشكل عام فهي تختص بالسؤال لا بالفرض. والأدهى والأمر هو أن بعض طلبة العلم اختاروا فئة من السلف واطلقوا عليها السلف الصالح وتمسكوا بارائهم التي توصلوا اليها في عهودهم السابقة ويحاولوا أن يفرضوها علينا ويحرمونا من نعمة العقل. الله يزيدك من علمه يادكتور.

    ردحذف
  2. فعلا كلامك رائع ويخاطب العقل بطريقة رائعة ��
    واجهت في صغري الكثير من الاسكات والاستنكار عن تساؤلاتي واحبطني ذلك وسبب لي تخبطا في وقت ما والان اطفالي يتسآلون بنفس الطريقة ويتم اسكاتهم بطريقة الطف قليلا من افراد في العائلة ، ولذلك كنت احتاج لمثل هذا المقال ليعطيني دفعة للحديث مع ابنائي حول التفكر.
    شكرا لك

    ردحذف