الأحد، 16 مارس 2014

البلاسيبو و تجارة الوهم



في آخر مراحل إختبار الأدوية الجديدة و قبل نزولها للصيدليات بشكل رسمي، يتم تقسيم عينة كبيرة جداً من المرضى إلى قسمين. قسم يأخذ الدواء الحقيقي المراد إختباره، و قسم آخر يأخذ عقار له نفس الشكل و اللون، لكنه في الحقيقة عبارة عن مواد غذائية عادية (كالسكر و النشاء مثلاً!) بمعنى أن ليس له أي تأثير على المرض او المريض.

و المريض الذي يقبل بدخول أحد هذه الأبحاث، لا يعرف ما إذا كان سيتناول الدواء الحقيقي، أم الدواء الوهمي، و الذي يسمى علمياً بلاسيبو (Placebo). بل في بعض الدراسات (و هي الأدق) حتى الطبيب نفسه لا يعرف ما إذا كان المريض يأخذ الدواء الوهمي أم الحقيقي! و يكون تعامله مع مجرد أرقام.. مثلاً، المريض رقم [H/3252] أخذ من العبوة رقم [B/6455]
و يتم إختيار فريق صغير جداً من الباحثين الذين يحملون الأكواد و البيانات السرية التي تبين حقيقة كل عبوة!

لماذا كل هذا التعقيد؟!
بل لماذا نعطي المريض دواء وهمي من الأساس؟؟!!





هناك حقيقة طبية ليس عليها أي خلاف في الأوساط العلمية. و هي تأثير الوهم (Placebo Effect)...
إذا تناول مريض دواء يظن أنه سيفيده، فإنه في حالات تصل إلى ٥٠٪ احياناً سيستفيد!!! فقط لمجرد ظنه أن هذا الدواء مفيد!!!
ليس هذا فحسب.. بل إن نفس الدواء الوهمي الذي قدمناه له على أنه سيزيد من نشاطه (و زاد فعلاً من نشاطه)، سيجعله يشعر بالنعاس إذا غيرنا لونه و شكله و قدمناه له على أنه يجلب النعاس!!!
و بعض الناس الذين تم تقديم الدواء الوهمي لهم على أنه يؤدي إلى الإدمان، وصلوا فعلاً إلى حد الإدمان عليه و عدم القدرة على تركه!!
لاحظ اني هنا أتحدث عن أعراض إدمان حقيقية، لا تختلف كثيراً عن تلك التي تراها من مدمن المخدرات!!! :-)



إذا كنت تظن الآن أن مفعوله نفسي فقط... فخذ هذه المعلومة التي ستقلب أفكارك رأساً على عقب!

في تضخم البروستاتا الحميد، عندما يواجه المريض صعوبات في التبول بسبب تضخم (حقيقي) في البروستاتا، فإن الدواء الوهمي يزيل الأعراض في ٣٤٪ من الحالات، في وقت أن الدواء الحقيقي سجل تحسن بنسبة ٤٥٪! (أي بفارق ١١٪ فقط!!).
بل إن في بعض الأبحاث، كان الفرق بين نسبة التحسن في الدواء الوهمي مقارنة بالدواء الحقيقي ١٪ فقط!!! و هذا شيء صادم حتى بالنسبة للمختصين! فعدم القدرة على التبول حقيقية و ليست نفسية!! لأن البروستاتا فعلاً متضخمة، و تضخمها هذا فعلاً يعيق مجرى البول!

بل ان هناك ما هو أعظم من هذا كله!..
اثبتت بعض الأبحاث أن تأثير البلاسيبو إيجابي حتى مع الحيوانات!!!

لذا فإن هذه الحقيقة العلمية أصبحت ركن أساسي من أركان معظم الأبحاث العلمية لأختبار الأدوية و طرق العلاج الجديدة!
بمعنى ان الدواء الجديد قبل نزوله للصيدليات، يتم إختباره على عدة عينات من المرضى، و تُـقسّـم كل عينة إلى قسمين، قسم يأخذ الدواء الذي يتم إختباره، و قسم آخر يأخذ دواء وهمي يشبهه تماماً.
ثم تتم مقارنة نسبة التحسن بين المجموعتين. اذا كانت نسبة التحسن في المجموعة التي أخذت الدواء الوهمي أكبر، فهذا يشكك في مصداقية الدواء و أهليته لعلاج الحالة، لأنه لم يتفوق على الدواء الوهمي. بمعنى أن تأثيره على المرض كان أقل من تأثير الوهم!



أردت بذكر ما سبق أن أبين لكم أن هذا التأثير معتد به علمياً للدرجة التي أصبح يُعتمد عليه في تقييم الأدوية و الطرق العلاجية. و أصبح يشكل احد اهم موازين الحكم على مصداقية العلاج، قبل إعتماده رسمياً!

لكن، لماذا يتم إخفاء حقيقة الدواء الوهمي عن الطبيب أيضاً؟!
عادة يكون دور الأطباء المشاركين في هذا النوع من الأبحاث هو ملاحظة المريض عن كثب، و تسجيل كل التطورات في الحالة، سواءً الإيجابية أو السلبية كالآثار الجانبية للدواء. 
و اذا اشتكى المريض الذي يأخذ الدواء الوهمي من شيء، فإن الطبيب ربما لن يأخذ شكواه على محمل الجد كما سيأخذها من الذي يعرف أنه يتناول الدواء الحقيقي! لذا يتم إخفاء ذلك عن الطبيب أيضاً حتى لا تؤثر معرفته في كتابة التقارير عن الحالات!

للتوضيح أكثر..
لو عندنا دواء جديد نتوقع أن من آثاره الجانبية التقليل من حدة الرؤية. و أعطيناه للمريض الأول، أما المريض الثاني، فأعطيناه حبة تشبه الدواء الحقيقي، لكنها في الواقع مجرد قطعة حلوى!
في هذه الحالة، لو إشتكى المريض الثاني (الذي تناول قطعة الحلوى) من ضعف البصر، فإن الطبيب ربما لا شعورياً سيبتسم لأنه يعرف ان هذا تأثير البلاسيبو فقط! هذه الإبتسامة، من الممكن أن تُـلفت إنتباه المريض إلى انه لا يأخذ الدواء الحقيقي! و هذا طبعاً سيهدم الغرض من البحث!!

و لتفادي ذلك، يتم إخفاء حقيقة الدواء حتى على الطبيب.

هذه المعلومة السابقة تم الوصول إليها عن طريق أبحاث مستفيضة أُقيمت للتعرف على هذه الظاهرة العجيبة!
في هذه الدراسات.. وجدوا أيضاً أن التأثير الإيجابي للدواء الوهمي يزيد في الحالات التالية:-

١- كلما زادت الجرعة، زاد التأثير!
٢- الحقن بالإبر يعطي مفعول أفضل من تناول الحبوب!
٣- علبة الدواء الفاخرة تزيد من التأثير الإيجابي!
٤- زيادة سعر الدواء الوهمي، تزيد من تأثيره! (على أساس الغالي سعره فيه!) :-)
٥- طباعة إسم شركة أدوية مشهورة على الدواء، يعطي مفعول أفضل!
٦- كلما زادت خبرة الطبيب الذي يقدم العلاج الوهمي، كلما زاد التأثير (بمعنى آخر، زيادة ثقة المريض في مُقدم العلاج تجعله يستجيب بشكل أفضل!).



الآن ركز على آخر نقطة (زيادة ثقة المريض في مَـن يقدم له الدواء الوهمي) هذا سيساعدك على فهم بعض الأمور العجيبة التي تحدث لدينا في المجتمع!

هل تذكر ذلك الشخص الذي يبصق في وجوه الناس، ثم يخرجون أصحاء من عنده؟!

أنا لا أزعم، بل أؤكد، أن هذا ليس إلا تأثير الوهم (و هي حقيقة علمية ليس عليها خلاف).

إيمان المريض بـ "كرامات" الشيخ المزعومة، تؤدي إلى نفس تأثير الطبيب الخبير الذي قدم الدواء الوهمي للمريض! لأن زيادة قناعة المريض في خبرة الطبيب هي التي كانت السبب وراء تماثله للشفاء من مجرد دواء وهمي! (من مجرد قطعة حلوى!).

تذكر، أن ليس من الضروري أن يشفى كل من يذهب لتلقي البصقة من فم الشيخ (التي لا يعلم إلا الله بما فيها من مزارع بكتيريا!). لأن من الكافي جداً أن يتماثل للشفاء بعض المرضى بفعل ”تأثير البلاسيبو ليتناقل الناس الخبر و يتجهون إلى ذلك ”الشيخ و يدفعون له الأموال (او غيرها) مقابل بصقته "البلاسيبوية" المباركة!

كيف يرضى البعض على أنفسهم تلقي شيء مقرف كهذا بإسم الدين؟!


قد تتساءل الآن.. اذا كان تأثير الوهم يفيد و يؤدي إلى زوال أعراض المرض، فلم لا؟!

أخبرك لم لا...
المشكلة تكمن في ٣ أمور:
١- إلصاق هذا الوهم في الدين و التجارة به (لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا).
٢- علاج الوهم يزيل الأعراض، لكنه لا يزيل المرض (فمريض السرطان مثلاً، سيبقى السرطان يأكل في جسده، و إن خَـفّـت الأعراض بعض الشيء!)
٣- أحياناً قد لا يكون لدينا الوقت لنجرب ”بلاسيبو الشيخ“ و بصقته!

هذا الوهم ليس عندنا فقط! لأني سبق أن رأيت هذه التجارة أيضاً عند شعوب أخرى. أذكر لكم على سبيل المثال (لا الحصر) إحدى القصص التي عشتها بنفسي...

مريض ألماني كان مصاب بسرطان الكليه، و أصر على عدم الخضوع لعملية إستئصال الكليه لأنه يعرف مريض آخر كان أيضاً مصاب بسرطان الكليه، و تعالج بالـ Reiki (رقية البوذيين!) و إختفى منه السرطان تماماً دون أي تدخل طبي!

إختفاء سرطان الكليه حالة معروفة لدى المختصين، و هي نادرة جداً تحدث بنسبة ٠٫٤٪ إلى ٠٫٨٪ تقريباً (أقل من واحد في المئة)، يتراجع فيها نمو سرطان الكليه تلقائيا دون أي تدخل! لكن يجب أن انوه أن بالإضافة إلى ندرة هذه الحالات، فإن هناك جدل علمي حول صحتها أيضاً! لأن البعض يعيد ذلك إلى خطأ في التشخيص الأولي، و هي نقطة تستحق التوقف عندها.

نعود إلى قصتنا...
و بالفعل، ذهب إلى تاجر الوهم (الذي عادة ما يلصق بإسمه الألقاب!) ثم عاد إلينا بعد أكثر من سنة يريد العلاج الحقيقي، بعد أن إقتنع بعدم فائدة الـ Reiki!
لكن للأسف، كان السرطان قد إنتشر، و لم يعد هناك ما يمكن فعله!
كانت قصة محزنة بالفعل.



إستخرج الاختلافات العشرة :-)


لست ضد الرقية! لكني ضد الإعتقاد أن مفعولها "أقوى" عندما تأتي من الشيخ الدكتور فلان الفلاني او علان العلاني!

حتى و إن كنت أمي لا تقرأ ولا تكتب.. فأنت بالتأكيد تحفظ أم الكتاب (الفاتحة) و تحفظ المعوذات و سورة الإخلاص. و إن ظننت أنها لا تكفيك.. راجع عقيدتك، لأن فيها خلل بكل تأكيد. فالمشرّع لهذا الدين (الرسول صلى الله عليه و سلم) قال عن المعوذتين: (لم يُـتَعوَّذْ بمثلهن) و هذا يعني أن ليس هناك أفضل منهن في الإستعاذة بالله. فإن انت قلت غير ذلك و اعتقدت ان ”بصقة“ الشيخ فلان مفعولها أقوى.. فلديك خلل في العقيدة بكل تأكيد.

الإستعاذة هي عبادة مثلها مثل باقي العبادات التي لا تصرف إلا لله سبحانه و تعالى، و معنى كلمة ”رقية“ هو ”الإستعاذة“ من المرض.
بمعنى آخر، هي أن تطلب من الله أن يبعد عنك شر المرض (او لنقل، أن تدعوه بأن تكون من الـ ٠٫٤٪ السابق ذكرها!). لكن الدعاء بدون عمل، تواكل.
أما التوكل الحقيقي على الله.. فيكون بالدعاء و الأخذ بالأسباب في نفس الوقت (إعقلها و توكل). و عقالها يكون بأخذ العلاج الحقيقي (و ليس البلاسيبو!).

أتساءل...
ما الفرق بين من يتوسل إلى الله عن طريق الأصنام و بين من يعتمد على "شيخ" في الإستعاذة بالله؟
لأن كفار قريش لم يكونوا ينكروا قدرة الله أو إستحقاقه للعبادة، إنما كانوا يتوسلون إليه من خلال الأصنام فقط (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
أترك الإجابة لتأملاتكم..

ختاماً، أحب أن ألفت إنتباهكم إلى حقيقة علمية أخرى..
كمية البكتيريا المتواجدة في فم الإنسان، أكبر من كمية البكتيريا المتواجدة في أعضائه التناسلية (سواءً كان ذكر أم أنثى).
لاحظ أني أتحدث هنا عن الإنسان السليم النظيف، الذي يفرش أسنانه مرتين في اليوم على الأقل!

الآن..
يمكنك الإستمرار في شرب ذلك الماء الملوث ببصقة الشيخ.. بالتوفيق :-)



ملاحظة: إذا أحسست بفائدة الموضوع، ساعدني على نشرة، و قريباً بإذن الله سأتحدث عن السحر و المس و العين من منظور علمي و ديني أيضاً.


هناك تعليقان (2):

  1. عيب كثير من الأطباء الكرام لا يعيروا الأمراض النفسية اهتمام لذا يقال الغريق يتعلق بقشه.
    لاجاك المريض خذ في الاعتبار انه مشوش نفسيا. وإبداء التشخيص بعد ذلك.

    ردحذف
  2. اجمل حاجة في الموضوع ده
    استخرج الاختلافات العشرة هههههههههه ده انا كنت منجذب جدا للكلام وبقرأ بتحمس .. جملتك فصلتني نهائيا ههههه

    ردحذف