السبت، 8 فبراير 2014

تساؤلات سنة أولى طب




وصلني قبل أيام، سؤال من طالبة في السنة الأولى في كلية الطب.
أثار سؤالها الكثير من الشجون لدي، و مسح الأتربة عن كثير من الذكريات الجميلة و القاسية كذلك.
قالت (و أنقل سؤالها كما وردني)...

"يادكتور كيف كانت بداياتك بتخصص الطب ؟ هل حماسك قل مع الزمن او زاد .. وهل كنت تتوقع انك بتدخل هذا الاختصاص ؟ وممكن تقول نصائح لطلاب الطب الجدد سؤال من طالبة طب بالسنه الاولى."

لازلت أذكر يومي الأول في كلية الطب! بل إني أذكر مشاعري و كأني أعيشها! خوف و قلق، تسارع في التنفس، و قلب "يقفز" لا يخفق! و كأنه يريد كسر أضلعي ليهرب من رهبة المكان! وجهي جامد، منزوعة عنه الملامح! مع أني وسط مجموعة جديدة من الناس و يفترض بي أن أبدأ في تكوين علاقات جديدة! لكني لم أكن الوحيد الذي شُلت شفتاه عن الابتسام! (لاحقاً بعد سؤال بعض زملائي، إكتشفت أننا كلنا كنا نشعر بنفس تلك المشاعر!) كان ذلك أواخر عام ١٩٩٨، و كنت أحسب السنوات في مخيلتي! و أتسآءل.. ماذا سيكون حالي في عام ٢٠١٠ مثلاً، عندما أتم ٣٠ عاماً من العمر؟! أين سأكون؟ ثم خطر في بالي لو أن يوسف من المستقبل أتى الآن و همس في أذني ماذا سيقول؟! آثرت وقتها التفكير الإيجابي (و حسناً فعلت) وقلت لنفسي... سيقول أنه لايزال حتى الآن (في ٢٠١٠) يتذكر هذا اليوم و هذه المشاعر و يضحك عليها! لأن قلقي كان غير مبرر.
 و ها هو الآن يقول لي... ألم أقل لك؟! :-)

هنا في هذا المقال الطويل، أحاول أن أكون ذلك الهامس في آذان زملائي الجدد.
و إحتراماً للزميلة التي طرحت السؤال، سيكون ردي بصيغة التأنيث في خطاب مباشر، لكنه يشمل الجميع.
قد لا ينطبق كلامي هنا على كل شخص.. لكني حاولت بقدر الامكان أن أتحدث عن أشياء عامة لم تحدث معي فقط، إنما تكررت مع بعض الزملاء الآخرين الذين مروا بنفس الظروف.

أتمنى أن يكون "همسي" مفيداً لكم...




أختي الزميلة،
أهنئك على إختيارك لمهنة الطب، و أهنئك على حبك لمساعدة الناس، فلو لم تكوني كذلك، لما اخترتي هذه المهنة النبيلة! فهنيئاً لك نبل أخلاقك.

لا احد ينكر ان الناس تنظر لمهنة الطب بنظرة مختلفة عن باقي المهن، نظرة فيها شيء من الاحترام. لكن للأسف ينسى بعض الأطباء السبب الحقيقي وراء هذه النظرة.
هذه المكانة في قلوب الناس لم تأتي بسبب المال أو المنصب أو الشهرة (حتى و إن توفرت هذه الأشياء للطبيب أحياناً!)، بل أتت بسبب الأخلاقيات التي تفرضها المهنة على الطبيب، و من تقديمه لمصلحة الناس على مصلحته الشخصية. فهو يعرّض نفسه بشكل يومي لكل أنواع العدوى بالأمراض المختلفة، التي يهرب منها غيره عند سماع إسمها فقط! و هو الذي قد يتلطخ وجهه باستفراغ المريض او دمه (او حتى أسوء من ذلك أحياناً!) دون أن يكون من حقه التأفف أو إظهار الاشمئزاز! حتى لا يجرح مشاعر مريضه.
و هو الذي ليس من حقه أن يهنأ بنوم إذا كان لديه مريض يرعاه. و هو الذي ليس من حقه أن يصنف مريضه، فهو ملزم أحياناً بتقديم المساعده حتى لألد أعدائه!
و فوق هذا كله، مهنته تكون دائماً قبل حياته الشخصية. اعرف الكثير من الزملاء الذين فعلاً يسرقون الوقت سرقة ليقضوه مع أهلهم و أولادهم!
مهنة الطب بالفعل ليست مجرد مهنة! بل إسلوب حياة يتداخل و يحكم جميع تصرفاتك اليومية داخل و خارج أوقات الدوام!



قد يبدو كلامي السابق و كأني أتحدث عن بطل خارق يشابه سوبرمان او باتمان! لكن هذا واقع مهنة الطب.
كلنا رأى الدكتورة الشهيدة سمية الثلايا التي إغتالت روحها الطاهرة يد الخسة و الغدر في مستشفى العرضي في اليمن يوم الخميس الموافق ٢٠١٣/١٢/٠٥ و قد يتساءل البعض لماذا لم تهرب و تنجو بحياتها؟! و هو سؤال منطقي جداً لمن لم يعتاد على لذة طعم مساعدة الناس و تقديم خدمته لهم! لأن مساعدة المريض تشعرك بنشوة لا مثيل لها! و مع تكرار هذا الاحساس بهذه النشوة، يتحول الأمر عند البعض إلى ما يشبه الادمان! فيصبح دائماً يبحث عن الطريقة الأمثل التي تجعله يساعد أكبر قدر ممكن من المرضى!
لكن حتى مع تفهمي لهذا الاحساس الجارف (و هو المغذي الأول لزيادة حماسك كلما مرت السنين!)، إلا أنني أقف عاجز أمام تصرف الدكتورة سمية الثلايا رحمها الله. لقد فاقت بطولتها و عِـظم نبلها أي نشوة و أي ادمان! بالفعل أتعبت بشجاعتها و تجسيدها لأخلاق المهنة كل باقي الأطباء. و لأكون صادق، لو كنت مكانها لاختبأت كالجرذ حتى ينقضي الأمر! (و هذا على الرغم من الشوارب التي تُـنسب إليها الشجاعة زعماً!).
بالفعل لا أعلم لماذا لا يخلد إسمها، فإن لم تستحق هي ذلك، فمن الذي يستحقه؟!

لكن لا أحد يطالب الطبيب أن يحذو حذو الدكتورة العظيمة سمية الثلايا، فتلك العظمة لا يتميز بها إلا نخبة يصعب تواجد إثنين منهم في نفس المئة عام في هذه الدنيا. لكن المطلوب هو ان يحاول قدر المستطاع أن يجعل مصلحة مرضاه قبل مصالحه الشخصية، فهذا هو السبب الوحيد الذي أوصل الطبيب إلى هذه المكانة في المجتمع. بالتالي، إذا ترك الطبيب هذه الأخلاقيات او قصر فيها، لم يعد يستحق تلك المكانة طبعاً!




خلال الدراسة، ستنشأ بينك و بين المنبة (أياً كان نوعه) علاقة عجيبة تتأرجح بين الكره (بل قد تصل إلى الحقد أحياناً!) و بين الاعتماد الكلي عليه بعد الله في التقليل من ساعات نومك (خصوصاً أيام الامتحانات). و بينما تعلم نزار قباني "كيف يفتح فنجانه في الليلة آلآف المرات" بسبب الحب! .. ستتعلمين انت كيف تفتحينه في الليلة ملايين المرات بسبب المذاكرة! و ستبدعين في حقن مشروبك بالكافين حتى تصلين إلى تركيبة "مشروب الطاقة" الخاص بك! ثم سيصبح و كأنه أحد أبنائك!! بل و ستسمينه!!! (مشروبي كان إسمه Grendizer Blend) :-)
و قد تحرمين نفسك من الخروج و الاستمتاع بوقتك مع أقرانك.

ثم بعد هذا كله، تأتي المفاجأة بالرسوب في المادة!!! و تتساءلين أين المشكلة؟! و تشككين في صلاحيتك لمهنة الطب!! بل ستشككين حتى في قواك العقلية أحياناً!!
لا تيأسي.
ولا تلومي نفسك! المشكلة ليست فيك.
إذا حدث ذلك فغالباً المشكلة تكون إما في طريقة المذاكرة (و هذا الشيء لا يمكن لأحد أن يخبرك به، فأنت بنفسك ستكتشفين الطريقة الأنسب بالنسبة لك).
و إما أن تكون بسبب المصادر التي إعتمدتي عليها.
و لا انكر انه في بعض الأحيان تكون بسبب الدكتور الذي وضع الأسئلة! بعضهم فعلاً يصطاد في الماء العكر للأسف! و لكن هذا نادر الحدوث جداً و لله الحمد. تأكدي أن غالبية الأساتذة مروا بنفس الظروف و يريدون مساعدتك أكثر من إحباطك.

تفاجأت بأني لم أكن طالب الطب الوحيد الذي يشرب مشروب كهذا!
قال لي بعض الأصدقاء أنهم كانوا يشربون مشروبات أخرى مماثلة من إبتكاراتهم! (و يسمونها!)

لكن جميعها كانت تشترك في محاولة زيادة كمية الكافين في المشروب!


ستواجهين منافسة (قد تصل إلى أن تكون لا أخلاقية أحياناً!) لكن لا تسمحي لأحد أن يشعرك بأنك أقل! و لا تصدقي من يقول لك ان حياته خالية تماماً من الفشل! فالوحيد الذي لا يفشل هو مَـن لا يعمل أصلاً. لا تسمحي لعقلك أن يصدق بأن هناك إنسان مثالي لدرجة انه لا يخطيء ((حتى انا الذي أكتب لك هذا الكلام المليء بالمثالية!)) كلنا يخطيء. و لكن المهم هو الاعتراف بالخطأ و تصحيحة. ثم الانتباه لعدم العودة إليه مرة أخرى. لأن الخطأ الذي نتعلم منه، ليس عيباً، بل درس يسمو بنا نحو الأفضل.
و اذا حدث أن تقدم منافسوك بطرق غير شرعية، فلا تتخلي عن مبادئك. و سأعطيك نصيحة أضمن لك بها التغلب على أي منافس مهما إمتاز عليك بالواسطة مثلاً، أو بالأساليب اللا شرعية الأخرى!

تذكري دائماً أن هناك محور أساسي في مهنتنا و هو المريض.
فإذا إشتدت المنافسة خارج هذا المحور (على المناصب مثلاً)، ركزي مجهودك بكل ثقله على المحور الرئيسي (خدمة المريض بشكل أفضل). عندها أضمن لك بكل تأكيد انك دائماً ستكونين المنتصرة في المنافسة. و ستكونين دائما التي تضحك أخيراً. ((و هذا وعد مني)).

لا ترهقي نفسك بالتفكير في إختيار التخصص من الآن. فهذا شيء سيظهر لك بشكل أفضل خلال سنوات دراستك. عن نفسي كانت المسالك البولية آخر التخصصات التي قد تخطر ببالي! و مع هذا أعجبني فيه سرعة مشاهدة النتائج على المريض و سهولة رفع الألم عنه في كثير من الحالات. بالفعل كنت محتاراً طوال سنوات الدراسة أي تخصص أختار، ثم بين يوم و ليلة (قبيل التخرج) تأكدت أن جراحة المسالك البولية هي التخصص الذي أريده دون أدنى شك.
فلا ترهقي نفسك بالتفكير في ذلك الآن، و ركزي مجهودك على تعلم الأساسيات.

و بعد أن تتخرجي و تبدئي في العمل كطبيبة، قد تواجهين من يشكك فيك، في قدراتك، في أهليتك للعمل كطبيبة! بل قد ينزل أحدهم إلى مستوى حتى التشكيك في شرفك!!! (خصوصاً إذا كنتي من الطبيبات اللآتي إبتلاهم الله بالعمل في مجتمعات تزعم أنها "محافظة"!)
لا تلتفتي لهم.. فما ضر النجوم نباح الكلاب.
نعم قد يتمكنون بخستهم أن يتسببوا في خلق بعض المشاعر السلبية لوقت قصير. لكن لا تعطيهم أكبر من حجمهم، و لا تبذلي وقتك الثمين في الرد. لا تبرري لهم أفكارهم الدنيئة، أصدقائك و المقربين منك لا يحتاجون هذا التبرير، فهم يعرفونك جيداً. أما أعدائك فلن يصدقوك مهما قلتي و مهما أتيتي بالأدلة!! لذا فإن التبرير في حد ذاته مضيعة للوقت.
تأكدي أنك لن تستطيعين إرضاء جميع البشر، تلك غاية لا تدرك و إن حرصتي عليها! فلا تضيعي وقتك بالركض خلف سراب، و ركزي على الغاية التي يسهل إدراكها .. العناية بمرضاك و توفير سبل الراحة لهم.

ختاماً أنصحك بمشاهدة فيلم Patch Adams من بطولة Robin Williams فهو مأخوذ عن قصة حقيقية و أذكر أنني شاهدته لأول مرة عندما كنت في سنتي الأولى في كلية الطب، و زاد فخري بالمجال الذي اخترته! و أظن أنه سيزيد من إصرارك على تخطي كل العقبات ان شاء الله.



تذكري دائماً أنك تماماً كالأبطال الخارقين في القصص الخيالية. الذين يحبهم كل أفراد المجتمع بسبب أخلاقهم العالية و مساعدتهم للناس. مع وجود قلة قليلة جداً من الأشرار الذين يعادونهم! لكن ذلك لا يضيرهم! لأن حب الناس يغمرهم و يحميهم من كره الأشرار.
دائماً حاولي قدر المستطاع أن تزيدي من حب الناس لك، بالغي في تقديم المساعدة لهم.. بالغي للدرجة التي تجعلهم يشكون أن لك أسباب خفية ترجينها من وراء هذه المساعدة!
عندها سيغمرك الحب من كل جانب. و تصبح حياتك أجمل.

فنحن (الأطباء) مخلوقات تتغذى على حب الناس :-)

مع تمنياتي لك و لزملائك بالتوفيق و النجاح دائماً

هناك 4 تعليقات:

  1. جزاك الله خير يا دكتور وبارك فيك وكثر من أمثالك

    ردحذف
    الردود
    1. و جزاك يا رب، شكراً لك و أتمنى أن أكون عن حسن الظن

      حذف
    2. نصيحه يادكتور لفترة الامتياز وشكرا على كل كتبتها ولامست بها الواقع باسلوب يدفنا لللاصرار والمثابره رغم الصعاب

      حذف
    3. نصيحه يادكتور لفترة الامتياز وشكرا على كل كتبتها ولامست بها الواقع باسلوب يدفنا لللاصرار والمثابره رغم الصعاب

      حذف