الأربعاء، 17 أبريل 2013

لماذا خلقنا الله؟


في نقاش مع متشدد، يرى عدم جدوى "علوم الدنيا"، و يرى أن حديث (من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع) لا ينطبق إلا على من خرج في طلب العلوم الشرعية فقط! سألته: لماذا خلقك الله؟ .. فرد بصوت حاد: لعبادته!

عندها ادركت ان النقاش عقيم! خصوصاً أنني أعرف تماماً أن فهمه للعبادة يقف عند الصلاة و الصوم!
بل كان ذلك فهم جميع الحضور الذين نظروا إلي على أنني الكهل الساذج، الذي يسأل سؤال كهذا مفروغٌ من إجابته!

نعم, قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) و لكن ماالمقصود هنا بالعبادة؟ هل تنحصر في الصلاة و الصوم و التسبيح فقط -حسب فهم البعض؟ أم أن لها مفهوم أبعد من ذلك؟


يقول الله سبحانه و تعالى في قصة خلق آدم "الذي خُـلق بعد إفساد الجن في الأرض" (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) فردت الملائكة متسائلة (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). يشيرون إلى إفساد الجن فيها من قبل! (الذين كان منهم إبليس، ففسق عن أمر ربه).
هنا يظهر واضحاً لكل ذي عقل أن مقتضى العبادة المقصود في (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ليس بالتسبيح و التقديس فقط! فالملائكة تقوم بذلك خير منا! إنما المقصود هو خلافة الله في الأرض.

ما هي الخلافة؟

 الخلافة في اللغة تعني النيابة، كأن ينيب الحاكم سفيراً عنه في دولة أخرى. فلا يحق لهذا السفير أن يخرج عن سياسات حاكمه و يتصرف بغيرها.
كذلك فإن لله أسماء و صفات وصف بها نفسه (و له المثل الأعلى)، و من مقتضى عبادته سبحانه أن نعرفها و نعمل بها، كما قال صلى الله عليه و سلم (مَـن أحصاها دخل الجنة).
مثلاً، هو العدل، إذن لابد لخليفته أن ينشر عدله.
هو الرؤوف الرحيم، إذن لابد لخليفته أن يدعو إلى سبيله بالحكمة و الموعظة الحسنة.
هو الصادق، فخليفته لا يكذب.
و هو القوي، لذا فإن خليفته القوي خيرٌ عنده من خليفته الضعيف.
و هو الــــعــــلــــيـــم! ...
قس على ذلك باقي الأسماء و الصفات، إلا الصفات التي اختص الله بها نفسه دوناً عن غيره طبعاً، كالجبار و المتكبر و الإله، فهذه صفات لا تحق إلا للرب المعبود. تماماً كما أن ليس للسفير أن يتصف بصفات مطلقه للحاكم، إنما يتبنى سياساته فقط.
و أكبر دليل على صحة هذا المثال هو قول الله تعالى لداؤود عليه السلام (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) تأمل كيف يأمر الحاكم (الله) سفيره (دآؤود) بأن ينشر طريقته (سبيله) في الحكم بين الناس، و هي الحكم بالعدل.

درسونا في مادة التوحيد في الصف الأول الإبتدائي، اذا سألك احدهم، لماذا خلقنا الله؟ فترد، لعبادته.
ثم درسنا تعريف العبادة في مفهوم ضيق جداً فيحصرها المنهج المقرر في كونها أقوال و أفعال يحبها الله سبحانه و تعالى كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج!
قد يكون هذا من ضعف المناهج! او قد يكون لتبسيط المعلومة على عقولنا الصغيرة آنذاك! سمها ما شئت!
لكن ان تنبت شواربنا و لحانا ثم نبقى نرد بنفس الإجابة، فليس هذا إلا من الجهل و ضعف البصيرة. (أعاذنا الله و إياكم).

هناك 5 تعليقات:

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

    لا أعرفك يادكتور ولكن أعجبتني طريقة تفكيرك ..
    أتمنى من كل قلبي أن يكون جميع الدكاترة على قدر من العلم في مختلف المجالات بما أن لهم مكانة في المجتمع وتأثير , وعلى وجه الخصوص ( الدعوة ) لانطلب الكمال ولكن نطلب أن يسعى الإنسان مااستطاع، ويستغل نعمه الله له أن جعل له مكانه يحترمها الغير بشكره عليها .. جزاكم الله خير وكثر من أمثالكم ..
    مقالات عدة قرأتها ولكنها تُظهر بشكل جلي فكر صاحبها وحبه للخير ..

    ردحذف
    الردود
    1. خي الكريم،
      أشكرك على لطف كلماتك و تشجيعك، و آمل أن أكون عند حسن الظن.

      حذف
  2. جزاك الله خير

    صدقت ففهمنا الضيق للعبادة انشاء لنا مسلمين بلا اسلام يصلي ويصوم ومع ذلك يكذب ويظلم ويسرق ويسب ويشتم

    ردحذف
  3. تفكير جيد جدا بارك الله فى امثالك

    ردحذف
  4. تفكير جيد جدا بارك الله فى امثالك

    ردحذف