الأحد، 20 مارس 2011

Ota Benga

تاريخ اليوم يجب أن يُـحيى؛ ليبقى شاهداً على ظلم العنصرية, و على همجية البشرية, حين تعتنق مبدأ "الإنسان حيوانٌ ناطق" ... يجب أن يخلد؛ لتبقى صرخته مدوية "الكرامة للجميع و اللعنة على مَـن صادرها"


Ota Benga




كان Ota Benga شاباً مرحاً يعيش مع زوجته و طفليه في قرية صغيرة محاطة بالغابات الإستوائية على ضفاف نهر كاساي في الكونغو التي كانت مستعمرة بلجيكية في ذلك الوقت (عام 1904).



على الرغم من صعوبة حياة الأدغال البدائية, إلا أن Ota Benga كان شاباً (21 عاماً) مفعماً بالحيوية و الإقبال على الحياة, ممارساً لدوره كزوج و أب, و كما يقول مَـن عاصروه, أنه كان خفيف الظل و طيب المعشر, و معنى إسمه "Ota Benga" بلغة الكونغو هو "الصديق", و لكلٍ من إسمه حظ!
فجأة, في يومٍ مظلم, هجمت القوات الإستعمارية البربرية على قريته, و إبتدأ القتل العشوائي في أهل القرية البسطاء العـزّل, فؤبيدوا عن بكرة أبيهم! لم يبقى فيها شيء يتنفس! ثم مثلوا بالجثث! فقط من باب المتعة!! لكن Ota Benga نجى, و ما أنجاه, هوخروجه قبل وقوع المجزرة بحثاً عن الطعام, و عندما عاد هو و مَـن معه, كانت الفاجعة, لكن ماذا عساهم أن يفعلوا وحدهم مسلحين برماح أو سهام لا تجرح و لا تخدش أمام جيش من الهمج المنظمين؟!
شاهد Ota Benga حبيبة قلبه و فلذتا كبده صرعى أمام عينيه و هو ليس بيده حولاً و لا قوة, و إقتيد و مَن معه أسرى نحو حياةٍ من العبودية البائسة.
كان حظ Ota Benga الأسوأ بين أقرانه, ذلك أنه في تلك الأيام كان قد وصل إلى أفريقيا المبشر و التاجر الأمريكي Samuel Phillips Verner قادماً بمهمة قبيحة مبالغ في انسلاخها عن كل ما هو آدمي, و هي أن يأتي بأقزام أفارقة يشبهون القرود, يتم عرضهم على الناس كإثبات على صحة نظرية داروين!!! و كان Samuel Phillips Verner مرسل لهذه المهمة بموجب عقد تجاري بينه و بين William John McGee و هو متخصص في علم الأعراق البشرية (علم  يفلسف التطور العرقي للبشر على أساس نظرية داروين).
رأى Samuel في Ota Benga ضالته المنشودة, فقد كان Ota Benga قصير القامة لا يصل طوله إلى المتر و نصف. إقترب منه Samuel و فتح فمه ليرى أسنانه, ثم سأل, بكم هذا؟ ... و بعد أخذ و جذب إشتراه مقابل حفنة من الملح ملفوفة في خرقة بالية.


أُجبر Ota Benga على مغادرة وطنه نحو المجهول رغماً عنه, و بضرب السياط (كالمعتاد), حتى وصل إلى مدينة سانت لويس الأمريكية.
كانت تحتفل مدينة سانت لويس في ذلك العام بإحتفالين مهمين, الأول هو مرور مئة عام على شراء الأمريكيين للمدينة من فرنسا, و الثاني هو إقامة فعاليات دورة الألعاب الأولومبية الثالثة في المدينة. كان ذلك العرض اللا إنساني جزء من هذه الفعاليات.
وضع Ota Benga في قفص في حديقة الحيوان بين الشمبانزي و نوع آخر من القرود يسمى بإنسان الغاب (Orangutan), في محاولة لنزع آدميته عنه, و ليوحوا لمشاهديه أنه ينتمي لفصيلة من القرود القريبه من الإنسان.


Ota Benga وضعوا معه قرد في القفص


كتب على قفصه:
القزم الأفريقي "أوتا بنجا"
العمر 23, الطول 4 أقدام و 11 إنش
الوزن 103 باوند
تم جلبه من جنوب وسط أفريقيا بواسطة
الدكتور صاموئيل فيرنر
يعرض مساءً خلال شهر سبتمبر



كانت أسنانه مدببة, و ذلك بسبب تقاليد قبيلته في نحت الأسنان
في البداية بحكم روح Ota Benga المرحة و فطرته كان يبتسم للكاميرا و يقوم ببعض الحركات التي تضحك الجمهور, لأن من طبيعة البشر أن يسعدوا بإسعاد الآخرين, لكن للأسف طمس القفص آدميته عن عيون الناس, فكانوا يؤذونه بوخزة بالعصي أو برمي المخلفات عليه. و بالطبع غضب Ota Benga بعد أن شعر بالإذلال و الإهانة, و بدأ يتمرد على وضعه بشكل فطري. صنع قوس و أسهم, و راح ينبل مَـن يأذيه من زوار الحديقة, فربطوه إلى الأرض (تماماً كما تعامل الحيوانات)  إزداد صراخه و عنفه حتى إضطرت حديقة الحيوان أن تتخلى عنه لملجأ يرعى الأفارقه. في الملجأ أحسنوا معاملة Ota Benga و تعلم الإنجليزية. ثم عمل في مصنع للتبغ, و كان يعمل بجد حتى برز بين العمال لكفائته.
وعده البعض بأن يعيدوه إلى وطنه, فاجتهد و أخلص في عمله حتى يروي حنينه إلى الوطن. لكن عندما اكتشف زيف هذه الوعود, أصيب بحاله من الإكتئاب الحاد, قام على إثرها بمفارقة الحياة منتحراً برصاصة في صدره, كان ذلك يوم 20 مارس 1916, أي قبل 95 سنة من اليوم.
هذه هي قصة Ota Benga الرجل الذي عاش اسطورة من البؤس, فقط لأن هناك مَـن آمن بنظرية التطور بعد أن رأى فيها ما يغذي سلوكه العنصري المنحرف.


مَـن كان يظن أن تميزه في لونه أو عرقه أو قبيلته, فكفى به فشلاً أن يتباهى بما ليس له يد فيه!

هناك 4 تعليقات:

  1. love it!!
    Good work really.

    ردحذف
  2. مقال رائع وممتع وبداية موفقة لمدونتك دكتور يوسف .
    بانتضار ماتجود به اناملك.
    تقبل تحياتي
    مهستر

    ردحذف
  3. مجهود طيب
    لكن اذا سمحت
    سؤال : ما مصادر هذه القصة ؟
    هناك بعض التفاصيل اظنها صعبة المنال كيف علمتها ؟

    ردحذف
    الردود
    1. أخي الكريم، أشكرك على قراءة المدونة، و أشكر حرصك على مصداقيتها كذلك.

      معك حق، انا لم أذكر المصادر في هذه المدونة. فلم أكن أفكر في كتابة شيء عن أوتا بنغا عندما بدأت أقرأ عنه، و كان ذلك منذ وقت طويل و من مصادر عديدة لم أستطيع تذكر معظمها وقت كتابته المدونة (ناهيك عن الآن!)، لكن يمكنني أن أعطيك أهم المصادر التي يمكن الرجوع إليها في هذه القصة...

      -أرشيف صحيفة نيورك تايمز
      و هي الصحيفة التي كانت تواكب أخبار "القزم الأفريقي" في حديقة الحيوان! (كما كانوا يسمونه!).
      أول خبر تم نشره عن أوتا بنغا في الصحيفة كان في يوم ٩ سبتمبر من سنة ١٩٠٦
      ستجد أكثر من ٣٠ مقال في مجمل ما كتب عن أوتا بنغا في هذه الصحيفة وحدها.

      -جمعية تحالف أوتا بنغا في مدينة بيركيلي - كاليفورنيا (Ota Benga Alliance)
      و هي منظمة أنشئت لنشر السلام و حفظ الكرامة و زيادة الوعي بتاريخ الكونغو. و يمكنك العودة إلى منشوراتهم.

      -أرشيف مجلة دير شبيغل الألمانية.
      خصصت المجلة بعض المقالات عن أوتا بنغا خصوصاً بعد أن قام الدكتور برادفورد (و هو حفيد سامويل فيرنر!) بنشر كتابه الذي ألفه عن أوتا بنغا سنة ١٩٩٢ (و كما هو متوقع)، قام بتلميع صورة جده في الكتاب.

      و بعد إطلاعي على هذه المصادر و غيرها، قمت بمحاولة إختصار القصة في المدونة التي قرأت. و تعمدت كتابة الأسماء في المدونة باللغة الأنجليزية ليسهل الرجوع إليها و البحث عنها.

      إذا لم تساعدك هذه المراجع في الحصول على التفاصيل التي أشرت إليها، فأرجو منك إخباري بها.

      أعلم أن القصة صادمة! لكنها حقيقية مع الأسف. و هذا تماماً ما يحدث عندما تجردنا غرائزنا من إنسانيتنا بإسم فكرة أو آيديولوجية نبيلة كالدين أو العلم! هذا الخليط الغير متجانس بين النبل و إطلاق العنان للغريزة يؤدي إلى أفعال مبالغ في قبحها، و مع هذا تسكت عنها ضمائرنا، أو (في أحسن الأحوال) تجعلها في حيرة من أمرها! لأن هذا الغلاف النبيل لهذه الأفعال القبيحة؛ يشوش على أصوات ضمائرنا، و بالتالي لا نرى فيها ما يضير!! ظناً منا بوجود المبرر "المنطقي" لها!!

      أنا أيضاً لم أصدق كل تفاصيلها عندما قرأت عنها أول مرة! كان ذلك أثناء بحثي عن الأسباب التي تدعوا البعض لتبني نظرية التطور (خصوصاً الغير علمية منها). و للأسف هذه القصة ليست المثال الوحيد على عنصرية بعض معتنقي هذه الفكرة!
      على سبيل المثال، إقرأ عن البروفسور جيمس واتسن (James Watson) و أنظر كيف يكون لحائز على جائزة نوبل أن يحاول جاهداً تبرير نزعاته العنصرية بإسم العلم!

      أكرر شكري لك

      حذف